حياتي غريبة
حياتي غريبة
فدمعُ عيوني، بحور ٌ غريبة
و آهة ُ صدري دخان ٌ غريبْ
و حتـّى سمائي
ظلال ٌ غريبة
حياتي غريبة
و قلبي وحيدٌ بعيد ٌ
كئيب
يموجُ حنينا ًو شوقا ً يذوب
ويغرق في عبراتٍ سكيبة
مدوّنة تجمع الكتابات الشعرية والنثرية والمقالات الصحفية لمريم المهدي
حياتي غريبة
حياتي غريبة
فدمعُ عيوني، بحور ٌ غريبة
و آهة ُ صدري دخان ٌ غريبْ
و حتـّى سمائي
ظلال ٌ غريبة
حياتي غريبة
و قلبي وحيدٌ بعيد ٌ
كئيب
يموجُ حنينا ًو شوقا ً يذوب
ويغرق في عبراتٍ سكيبة
يبدو لي المشهد عن بعد مثل بلورة كريستالية فريدة تنهال في ثناياها ندف الثلج المتلألئة.
قدماي تبحثان بإصرار عن موطئ ممهد لخطوهما، وعقلي منشغل بالحفاظ على توازني على هذه الأرض الزلقة، وبحماية بنطالي فاتح اللون من الاتساخ، لكن عيني معلقتان على هذا المشهد الأثير الذي لا أودّ أن أفوته!
أحكم عقد لفافتي حولي، وأشد معطفي بعناية، وقلبي يصفق فرحا لمنظر الثلج وهو يتساقط بسخاء على الرؤوس التي لا تكل من الحركة والتقافز يمينا وشمالا.
تغمرني، إذا أقترب، حرارة روح الشباب التي لا تبالي بالبرد أو المرض، تتجسد في أقمصة قصيرة الأكمام، وفي كرة مدورة تتناقلها الأقدام، وقد تستقبلها الرؤوس المكسوّة بحبيبات الثلج أحيانا.
وإذ أعبر مع من رافقني حقل لعب الكرة، فإن اللعبة لا تتوقف من أجل أي من المارة، بل أنها تلتوي قليلا وتتكيف لتتشكل حول الطارئين عليها، ثم لا تلبث أن تلتئم وتواصل نشاطها بقوة.
ونحن إذ اجتزنا حقل لعب الكرة وهو أول ما واجهنا، تشدنا الآن ثلاثة مغريات، الحرارة، والنور، والرائحة... نحو نار الشواء التي تحلق حولها الرجال وبعض الأطفال وأيديهم تمعن عملا في التقطيع والشك والتقليب، بينما تتركز العيون على الدهن المتقاطر من الاسياخ وهي في طور النضوج وكأنها تستحثها على الاسراع في دورة حياتها لتنتهي وجبة ومكافأة لبطون خاوية تنتظر على أحر من النار التي يحتاجون إلى دفئها حقا في جو كهذا مثلج.
أستدير إلى وجهتي النهائية في ذلك الكوخ الخشبي الذي يقول قائل إنه مكان لجلوس الرجال، وإن ما للنساء إلا أن يجلسن في مهب الريح بين شجرتين نحيلتين على بساط يرتجف من البرد. حينها تهب ثورة الرفض في النساء الصامتات ويتقدمن بإصرار إذ يحتللن الكوخ الخشبي الصغير الذي يعجز عن حماية نفسه، فما بالك بحماية من يستظل فيه، من لسع القر.
تستقر النسوة والأطفال داخل الكوخ المستطيل الشكل، ذي الجدران المخلخلة التي تسمح للشخص أن يرى ما خلالها، التي تسمح للبرد أن ينفذ بكل حريته أيضا، و نا يبدأ الأطفال بقبعاتهم مختلفة الألوان ولفافاتهم التي تنعقد بعشرات الأشكال، يبدأون بالارتجاف بأنوفهم السائلة وخدودهم المتوهجة من لفح البرد، وهم يلتصقون بأمهاتهم كصيصان صغار لا يحميها زغبها الخفيف من البرد القارص.
وهنا تستعطف الأمهات بعض الخبز ولحم الشواء لأطفالهن الجياع، وردا عليهن، تتنقل أكواب الشاي الساخنة من يد إلى أخرى فيسود الحضور صمت منتش أو نشوة صامتة للأثر الذي أحدثه دفء الشاي في العروق، ولكن هذا الصمت سرعان ما يتبدد ليحتله صخب محتج حين تهب ريح الشمال العاتية ببلورات ثلجية كثيفة تطايرت وحطت في أكواب الشاي ليتحول ما في أيدي الجمع إلى شاي مثلج -آيس تي.
أما أنا، فوسط مهرجان التوهج الثلجي هذا وجدت كاميرتي تتقافز في يدي وهي تحاول احتواء كل مشاهد الحياة الملونة من حولي، وحين ألفيتها عاجزة عن مجاراتي دسستها في جيبي وبدأت أفتش عن قلم عله يعينني على جمع كل هذه الصور الثمينة في قصاصة من الورق.
بغبطة أم تشاهد بعينيها أطفالها الصغار وهم يلعبون بأمان حولها، كان قلبي يكتسي بالحبور وأنا أرقب كل ما حولي، من ألوان المعاطف المنتفخة التي يرتديها الصغار، إلى تعابير وجوه الأمهات المصاحبة لتعليقاتهن على أغرب رحلة شواء يشهدنها في حياتهن، التي قدر لها أن تكون وسط الثلج في مرتفعات منطقة بورتسموث البريطانية التي تطل على البحر، في وقت من العام كان متوقعا منه أن يكون دافئا، أو على الأقل أن لا يكون بهذه البرودة. ولا أتمالك نفسي من الابتسام.
أرقب الشبان وهم يستهينون بكل ما يرتجف له أجساد الصغار والكهول وهم يتجمعون بكل مرح لالتقاط الصور التذكارية جنبا إلى جنب ورؤوسهم مكللة بتيجان كريستالية صنعتها ندف الثلج الناصعة، وأرقب الأيدي المتهافتة على أواني الحساء (الشلة) الساخنة التي أعدت لتدفئ لسعات الزمهرير، وبعد الحساء تتقافز الأعين لتتعلق على نار الشواء المنقذة، وتتشنف الآذان لنداء شوّاء الرحلة حين يفرغ من إعداد أسياخ الكباب، وبالتالي توزيعها على البطون التي سأمت الانتظار.
تنشغل الأذهان في تخيل طعم الكباب الذي سيبرر هذه المغامرة الشوائية الثلجية العجيبة لعشرات المغتربين في مرتفعات الجنوب البريطاني، ويسيل اللعاب في انتظاره، بينما أختم خاطرتي التي كتبتها في ظهر ورقة مهملة بقلم استجيدته من حولي، أختمها بكتابة العنوان (ثلج وكباب على وزن تبر وتراب، ديوان أبي ماضي المعروف)، وأنا أردد ضاحكة: من غيرنا نحن أهل الجزيرة يستطيع أن يجمع معا سخونة الشواء وبرودة الثلج في رحلة واحدة؟بدو لي المشهد عن بعد كبلورة كريستالية فريدة تنهال في ثناياها ندف الثلج المتلألئة. قدماي تبحثان بإصرار عن موطئ ممهد لخطوهما، وعقلي منشغل بالحفاظ على توازني على هذه الأرض الزلقة، وبحماية بنطالي فاتح اللون من الاتساخ، لكن عيني معلقتان على هذا المشهد الأثير الذي لا أودّ أن أفوته!
أحكم عقد لفافتي حولي، وأشد معطفي بعناية، وقلبي يصفق فرحا لمنظر الثلج وهو يتساقط بسخاء على الرؤوس التي لا تكل من الحركة والتقافز يمينا وشمالا.
تغمرني، إذا أقترب، حرارة روح الشباب التي لا تبالي بالبرد أو المرض، تتجسد في أقمصة قصيرة الأكمام، وفي كرة مدورة تتناقلها الأقدام، وقد تستقبلها الرؤوس المكسوّة بحبيبات الثلج أحيانا. وإذ أعبر مع من رافقني حقل لعب الكرة، فإن اللعبة لا تتوقف من أجل أي من المارة، بل أنها تلتوي قليلا وتتكيف لتتشكل حول الطارئين عليها، ثم لا تلبث أن تلتئم وتواصل نشاطها بقوة.
ونحن إذ اجتزنا حقل لعب الكرة وهو أول ما واجهنا، تشدنا الآن ثلاثة مغريات، الحرارة، والنور، والرائحة... نحو نار الشواء التي تحلق حولها الرجال وبعض الأطفال وأيديهم تمعن عملا في التقطيع والشك والتقليب، بينما تتركز العيون على الدهن المتقاطر من الاسياخ وهي في طور النضوج وكأنها تستحثها على الاسراع في دورة حياتها لتنتهي وجبة ومكافأة لبطون خاوية تنتظر على أحر من النار التي يحتاجون إلى دفئها حقا في جو كهذا مثلج.
أستدير إلى وجهتي النهائية في ذلك الكوخ الخشبي الذي يقول قائل إنه مكان لجلوس الرجال، وإن ما للنساء إلا أن يجلسن في مهب الريح بين شجرتين نحيلتين على بساط يرتجف من البرد. حينها تهب ثورة الرفض في النساء الصامتات ويتقدمن بإصرار إذ يحتللن الكوخ الخشبي الصغير الذي يعجز عن حماية نفسه، فما بالك بحماية من يستظل فيه، من لسع القر.
تستقر النسوة والأطفال داخل الكوخ المستطيل الشكل، ذي الجدران المخلخلة التي تسمح للشخص أن يرى ما خلالها، التي تسمح للبرد أن ينفذ بكل حريته أيضا، و نا يبدأ الأطفال بقبعاتهم مختلفة الألوان ولفافاتهم التي تنعقد بعشرات الأشكال، يبدأون بالارتجاف بأنوفهم السائلة وخدودهم المتوهجة من لفح البرد، وهم يلتصقون بأمهاتهم كصيصان صغار لا يحميها زغبها الخفيف من البرد القارص.
وهنا تستعطف الأمهات بعض الخبز ولحم الشواء لأطفالهن الجياع، وردا عليهن، تتنقل أكواب الشاي الساخنة من يد إلى أخرى فيسود الحضور صمت منتش أو نشوة صامتة للأثر الذي أحدثه دفء الشاي في العروق، ولكن هذا الصمت سرعان ما يتبدد ليحتله صخب محتج حين تهب ريح الشمال العاتية ببلورات ثلجية كثيفة تطايرت وحطت في أكواب الشاي ليتحول ما في أيدي الجمع إلى شاي مثلج -آيس تي.
أما أنا، فوسط مهرجان التوهج الثلجي هذا وجدت كاميرتي تتقافز في يدي وهي تحاول احتواء كل مشاهد الحياة الملونة من حولي، وحين ألفيتها عاجزة عن مجاراتي دسستها في جيبي وبدأت أفتش عن قلم عله يعينني على جمع كل هذه الصور الثمينة في قصاصة من الورق.
بغبطة أم تشاهد بعينيها أطفالها الصغار وهم يلعبون بأمان حولها، كان قلبي يكتسي بالحبور وأنا أرقب كل ما حولي، من ألوان المعاطف المنتفخة التي يرتديها الصغار، إلى تعابير وجوه الأمهات المصاحبة لتعليقاتهن على أغرب رحلة شواء يشهدنها في حياتهن، التي قدر لها أن تكون وسط الثلج في مرتفعات منطقة بورتسموث البريطانية التي تطل على البحر، في وقت من العام كان متوقعا منه أن يكون دافئا، أو على الأقل أن لا يكون بهذه البرودة. ولا أتمالك نفسي من الابتسام.
أرقب الشبان وهم يستهينون بكل ما يرتجف له أجساد الصغار والكهول وهم يتجمعون بكل مرح لالتقاط الصور التذكارية جنبا إلى جنب ورؤوسهم مكللة بتيجان كريستالية صنعتها ندف الثلج الناصعة، وأرقب الأيدي المتهافتة على أواني الحساء (الشلة) الساخنة التي أعدت لتدفئ لسعات الزمهرير، وبعد الحساء تتقافز الأعين لتتعلق على نار الشواء المنقذة، وتتشنف الآذان لنداء شوّاء الرحلة حين يفرغ من إعداد أسياخ الكباب، وبالتالي توزيعها على البطون التي سأمت الانتظار.
تنشغل الأذهان في تخيل طعم الكباب الذي سيبرر هذه المغامرة الشوائية الثلجية العجيبة لعشرات المغتربين في مرتفعات الجنوب البريطاني، ويسيل اللعاب في انتظاره، بينما أختم خاطرتي التي كتبتها في ظهر ورقة مهملة بقلم استجيدته من حولي، أختمها بكتابة العنوان (ثلج وكباب على وزن تبر وتراب، ديوان أبي ماضي المعروف)، وأنا أردد ضاحكة: من غيرنا نحن أهل الجزيرة يستطيع أن يجمع معا سخونة الشواء وبرودة الثلج في رحلة واحدة؟
و في الأمسياتْ،
و حينَ بهاءُ الشموس ِ
يغيبْ
تـَمرُّ الثواني ببطء ٍ رتيبْ،
كزحفِ السنينْ...
و يطغى الحنينْ،
لصبح ٍ جنينٍ يضمُّ
سَمَاك
و فيهِ أراك
أحسَن أخت في العالَم
عدتُ إلى البيتِ و أنا أتأجَّجُ غضباً. كانَ الجوُّ اللاهبُ في الخارج سببا ً كافياً لإثارة حـَنـَق المرء و نقمته، فما بالك بفتاة ٍ في شرخ ِ الشبابِ اجتمعت عليها الأسباب، فجعلتها تعود كلَّ يوم ٍ حاملة ً شظايا أجنحتها المتكسّرة و نثار أحلامها الكبرى في ملف سيرتها الذاتية و حقيبة يدها المخمليّة!
كنتُ قد جنيتُ أرفع أوسمةِ الامتياز عند تخرّجي من الجامعة الوطنية قبل حولٍ أو يزيد، و كنتُ في لجّةِ بهجتي بالتميّز و إقبالي على المستقبل، قد نسيت ُ-أو تناسيتُ- أن الحقيقة غالبا ً لا تبتسمُ للحلم، و أن الواقع لا يحيّي الآمال مهما كانت رفيعة، فظننت ُ في غبطة ٍ جاهلة أو جهل ٍ مغتبط أنِّ عسرَ الحصول على عمل لا يتعدّى كونه وهماً يتشدّق به الكسالى، و أن التعطـّل وضعٌ بعيدٌ كل البعدِ عنّي، لا يمكن أن أعيشهُ ما دامت أنجمُ انجازاتي الأكاديمية تتألـُّق على شهادة تخرجي. و كان يكفيني سنة ٌ من ذلكَ لأتبيّنَ الحقيقة، و لتهَوي روحي إثرها من علياء الأمنيات و ترتطمَ بالأرض، متعفـّّرة ً بغبار البطالة.
صفقتُ بابَ غرفتي، و رميتُ - كيفما اتـّفق- بمفاتيح سيارتي ووشاحي المورّد الذي ارديتـُه من أجل مقابلة العمل الثالثة خلال هذا الأسبوع، رميتهما بعصبية و انخرطتُ في بكاء ٍ حار.
في تلك اللحظة، دخلتِ الغرفة َ شقيقتي الصغرى ذات السنوات السبع، لتحيّيني فرحة ً و تركضَ إلى أحضاني كعادتـِها في كلِّ مرّة. و لكنني أشحتُ عنها حانقة ً و نهرتـُها، ثم انكفأتُ على نفسي أذرفُ العبرات المحرقة. انصرفتْ شقيقتي حزينة ً، لكنّها سرعان ما عادت إلى جانبي بصندوق لـِعَبها وانكبّتْ على ما في يديها بهدوءٍ تامّ.
بعد دقائق، لفتَ نظري هدوءُها، فقد كانت طفلةً حيويةً صاخبة لا تعرف للسكون سبيلاً خاصة ً أثناء اللعب. ناديتـُها بصوتٍ أبحّه البكاء، فرفعتْ رأسَها الجميل نحوي و ابتسمتْ عيناها البرّاقتان لي. حينئذ تسنى لي أن أرى ما بين يديها. كانتْ قد صفــّتْ عدّة أكواب ملوّنة مقلوبة ً على الأرض بشكل متواز. قالت الصغيرة: هل تلعبين معي لعبة المسابقة؟ رددتُ عليها بغير اهتمام: وما هي؟
قالتْ أسماء (على طريقة مسابقات الربح التي تشاهدها في التلفاز): إذا عرفتِ أي هذه الأكواب الأربعة يخفي دمية صغيرة، فستنتقلين للمرحلة الثانية من المسابقة!
قلتُ و قد شدتني اللعبة: الكوب الأحمر؟
مدّتْ يدها الغضّة نحوه و رفعتْه، فإذا بداخله الكأس دمية على شكل أرنب صغير.
اتـّسعتْ ابتسامتي و تحمّستُ لمواصلة اللعب، فأخبأتْ أختي الأكواب لثوان ٍ، ثم قالت لي: إذا اكتشفتِ موقع الكرة الصفراء الصغيرة بين هذه الأكواب فستتقدمين للمرحلة الثالثة! اخترتُ، و كان اختياري صحيحاً. لا أنكرُ أنني أحسستُ بالزهو لقدرتي الرائعة على التخمين و التي لم أكتشفها قبل اليوم، خصوصا ً حين صحّ تخميني في المرة الثالثة أيضاً.
ابتسمتْ أسماءُ ابتسامة ً أثيرة، ثم قالتْ بمرح: و الآنَ وصلتِ إلى النهائيات! و إن اكتشفتِ تحت أي كوب توجد الشمعة النجميّة الشكل، فإنّك بكلّ تأكيد ستكونين أحسن أخت في العالم!
سألتُها: و إذا لم أكتشفها؟ اتـّسعتْ ابتسامتُها و ردّت: تكونين في هذه الحالة….تكونين… ثاني أحسن أخت في العالم!
ضحكتُ لقولها، ثم قضيتُ لحظات ٍ في التفكير، أو بالأحرى في استنزال إلهامي الحدسيّ خطير الشأن، ثم استقرّ بي المقام أخيراً و اخترتُ الكوب البنفسجي، و كم فرحت حين وجدتُ شمعة فضية لامعة على شكل نجمة خماسية الأضلع، تستقر تحت الكوب. صفـّقتْ أسماء ببهجة و احتضنتي، ثم طبعتْ قبلة على خدي و غرّدتْ: أنتِ أحسن أخت في العالم! امتلأ خافقي بالسرور لذلك، و نسيتُ همّي ولو إلى حين، ثم قضيت سحابة يومي في إنجاز أعمالي.
في المساء حين خلدتْ الصغيرة إلى النوم، وجدتُ أن صندوق اللعب المزخرف لا يزال في مكانه بالغرفة، و أن الكؤوس الملوّنة لا تزال مقلوبة ً كما كانتْ. رفعتُ الأكوابََ الثلاثة المتبقية بغرض وضعها في الصندوق، و لمفاجأتي، رأيتُ تحتها ثلاث شمعات متطابقة نجميّة الشكل! فتحتُ الصندوقَ مندهشة ً لأجد فيه أربع دمى صغيرة لأرانب مختلفة الألوان، أربع كرات ملونة، و أربع سيارات صغيرة.
فكّرتُ بالأمر لوهلة، ثم ابتسمتُ بفرح ٍ بادٍ لا يخلو من حب ٍ و إكبار ٍ عظيمين، و همستُ لثنايا نفسي التي انغمرتْ في تلك اللحظة برّقة شقيقتي الصغرى و حنانها: لقد اكتشفتْ هذه اللعبة، بالتأكيد، من بيننا هي أحسن أخت في العالم!
سراب
.
جالسة على السور الحجري المنخفض، وحولي أمواجٌ متلاطمة ٌ من البشر، فتيات وفتيان معظمهم من الشباب، رائحون غادون، ومقابلي شارعٌ فرعي إلا أنه مزدحم بالمركبات من كل شكل ولون. الحافلات لا تفتأ أن تتوقف، ولا تفتأ أن تحمل كثيراً من الناس وتنزل آخرين. مكتبة الجامعة الكبرى على يساري، لا ينفك الطلبة يؤمونها، ويركبون الدرجات الحجرية الواسعة المفضية إليها جماعات ووحدانا، والمحلات على الضفة المقابلة من الشارع غاصّة بروادها ممن أسرعوا لقضاء شؤونهم قبل المغيب، حيث يغلق كل محل وتخلو جميع الشوارع.
.
وأنا وحدي هنا، لا أنظر إلى أي وجه خشية أن ينفتق ما تبقى من جرحي ملتئماً. وحدي جالسةٌ أنتظرك وأنا أعرف أنك لن تأتي، فلا أرضي تقلك ولا سمائي تظلك. لكنني أذهب كل يوم، كل يوم في نفس الساعة وكأني على موعدٍ ألغي كل المواعيد من أجله. لا وجه يشبهك أبداً، فلماذا أتعب نفسي بالنظر إلى الوجوه؟
.
كل يوم أذهب، كل يوم أجلس عند رمس ذكرياتنا ولا أتعب من التذكر، كما لا أتعب من الانتظار. كل شئ حولي يذكرني بك، وكل شئ حولي يشقيني ويفجر آلامي إذ أتذكرك. كيف أنساك، فرائحة وجودك لم تزل تدغدغ أنفي، ورنة صوتك لم تفتأ تناديني حين تستفحل بي الوحدة وتستأثر بي الأحزان.
.
منذ ذلك اليوم، وأنا أجدني قد لزمت السور الحجري المنخفض لا أبرحه كلما طرأ على بالي خاطرك، تملأ الدموع عيني فأرى طيفك منعكساً عليها، شفافاً رقراقاً يكاد أن يتسلل بينها ومعها فأعجز عن إمساكه وإمساكها.
.
وحين تشرق شمس كل صباح أشرق معها بغصتي، حتى الشمس تذكرني بك، أحببتها يوم ذاك حين كانت مزدهية متلألأة، والآن لا أراها سوى مكفهرة، مطرقة ومشيحة. أنت جرحي الذي يستيقظ معي كل يوم، فأشقى به وأشقى معه. كنت صباح الأفراح في ماضي الأيام، فصرت اليوم صباح آلامي .
.
جالسةٌ على السور الحجري المنخفض، وقد فقدت الإحساس بالمكان والزمان، فقدت الإحساس حتى بي، ولم أعد أحس إلا بك قربي. لثوان ٍ بدا الحلم رائعا ً منعشاً أقرب للحقيقة منه إلى الخيال. رفرف خافقي بين جنبيّ، وتراقصت ابتسامتي ورنوت إليك بناظري، ولكن لم يكن إلا السراب وأذيال طيف ٍ أثير ٍ تنسلُّ إلى بعيد.
*درب الذكريات
مع إطلالة هذا الشهر، تطل نشرتنا الأثيرة على بداية سنتها الرابعة في الحياة." إنّها لا تزال طفلة"، خطر ذلك عليّ وأنا أكتب هذه الكلمات، نعم إنها لا تزال طفلة ولا يزال أمامها طريق طويل لتقطعه. ورغم أنني لم أعرف النشرة إلا لعشرة أشهر، إلا أن شهراً واحداُ فقط كان يكفيني لأتعلق بها تماماً، وكان يكفيها هي الأخرى لكي تشكل جزءاً مهماً في حياتي.
.
اتفقنا من قبل، أعني في مقالي السابق، أن تمثـّل زاويتي هذه مقتطفاُ من مفكرتي، وأنا على الوعد، إذ اخترتُ هذه المرة أن أتكلم عن سنتي السابقة في بريطانيا. سنة الفونديشن أو السنة التمهيدية، التي غالباً ما ارتبطت في أذهن الكثيرين ببؤس السنة الأولى وتخبطها، حينما كنّا أغراراً على الاستقلالية، وعلى عالم المسؤليات، أغراراً على الحياة. و لكنها ارتبطت في ذهني بنشرتنا المحبوبة ارتباطاً وثيقاً، إذ طبعتها بطابع مختلف ومميز.
.
.
لكم ارتبط ذلك الطريق في نفسي بذكريات محببة كثيرة. و أنا لا أسميه اليوم إلا درب الذكريات. ذلك الطريق الذي يبدأ من أحد أفرع جامعتي المتواجد في وسط المدينة، ماراً على عمارة سكني السابقة، ممتداً إلى الفرع الآخر من الجامعة في خط مستقيم. كل معلم من هذا الطريق ارتبط في ذهني بذكرى ما، جميلة محببة، وكل شجرة على جانبيه لا تزال تتذكر ترانيمي وأشعاري التي كنت أتغنى بها وأنا أقطعه. ربما كنت عاطفية ً هنا بعض الشئ، ولكن ذلك شأني مع الذكريات دائماً.
.
يناير، أول الأعداد الموسوم بالرهبة و ترقب ردود الفعل، عدد فبراير الخاص الذي طبع يوم المؤتمر التأسيسي بالألوان زاهياُ مفرحاً، عدد مارس الذي حمل تداعيات المؤتمر وأخباره، وعدد أبريل الذي نشر خبر استقلالية إدارة النشرة عن إدارة الاتحاد في أولى صفحاته، وحمل أخبار دورة ليدز لكرة القدم. عدد مايو الذي ميزه استلام مصمم جديد لكل أعمال الإخراج الفني، وعدد يونيو الذي تفرّد بتحقيق مطول عن رأي الطلبة المغتربين في فكرة الزواج المبكر.
.
كان آخر الأعداد عدد حصاد الصيف، الذي كان الأطول والأغنى، ممثلاً لشهور الصيف الثلاثة. كل عدد من النشرة كان خاصاً بالنسبة لي، وكل عدد منها لازال يعيد لي زخماً من الذكريات حين أتصفحه. لا أزال أذكر جيداُ حين عرض علي العمل في النشرة الطلابية لأول مرة، أنني فكرت ببعض الحزن: " ولكنني إذا عملت ضمن محرريها، فستفوتني فرصة قراءتها والاستمتاع بذلك حينما تكون جاهزةً ومنشورة كل شهر". أعزائي القراء، لقد أدركت اليوم أن متعة القراءة والتلقـّي، لا تضاهي و لو بشئ قليل من متعة الكتابة والعطاء والصنع.
.
أعزائي القرّاء، يا من استمتعتم بالقراءة طويلاً، ربما حان الوقت لتشاركونا في صنع نشرتكم، حتى لو بأيسر اليسير.
.
ن*نشرت في عدد أكتوبر 2006 من نشرة الطالب البحريني في بريطانيا
حلوُ مبهر
قطعة سكّر
عيناكَ وجودٌ مختلفٌ،
كونٌ آخر...
بهما تسطعُ قصةُ حب ٍ
بهما يلمعُ ومضُ بريق
أسطورة بحرٍ يتلاطمُ
بعتيِّ ِ الأمواج ِ، عميق
عيناكَ زهورٌ زاهيةٌ
تزهو بأريجٍ ورحيق
عيناك قصورٌ عاليةٌ
عيناكَ ينابيعُ الكوثر
حلوٌ مبهرْ
قطعةُ سُكَّر
مثل البدرِ وضئ ٌ وجهكَ
مثلَ الجوهر
وجبينكَ صبحٌ يتلألأ
ببهاءٍ مختلفٍ ساحر
هذي الطلةُ سِرٌ نادر...
فكأنَّ الوجنة َ قد عجنت
من ماء الوردِ و أوراقه
والشمس بدفءٍ ضمتها
فغدت تنضح زهراً أحمر
شفتاك أحمرةُ تفاحٌ ،
أم كرزٌ حلوٌ من سكر،
أم محصول ربيع أزهر؟
حلوٌ مـُبهِر
قطعةُ سُـكــَّر...
أنت الحلّ ُ لكل سؤالٍ،
في عقلي يوماً قد يظهر...
أنت جوابُ لحوح ِ دعائي
أنتَ الرحمةُ بعد شقائي
أنت الرحمة،
أنت الشمس ببردِ شتائي،
وبليلي تلمعُ كالنجمة...
منكَ الفرح الحلوُ الآسر
منكَ البسمة
ولكَ الحبُّ العذبُ الطاهر..
في أعماق فؤادي يسعر...