Tuesday, 1 April 2008

المرة الأخيرة

المرّة الأخيرة

تتوسَّدُ مخدَّتها الباردة جداً بفعل مكيّف الهواء، و تبتسمُ لنفسها. تقلّبُ رأسها يميناً و يساراً لتتوصل إلى الوضعيـّة المثاليـّة له، ثم تسحبُ الغطاء حتى طرف ذقنها و تلتفُّ به.

الغرفة باردة تماما ً كما تفضلها في ليلة صيفية كهذه، مظلمة، هادئة و محبّبة. كل الظروف مهيـّئة لنومٍ مريح، إلا أنَّ أهمّها، النعاس، يرفض أن يُقبل. تتقلـّب مرّات عديدة، تتلو عدّة سُوَر، تغلق عينيها ثم تفتحهما عشرات المرات. تعود للتقلّب و تستغرقُ في التفكير.

تحاول أنْ تنظمَ شعراً، تشغلُ لسانـَها بمطلعٍ ما ثم لا يعجبها تماماً، فتفكّر: شئ حلو، رقيق... انسيابي. لو أقدر أن أجمع كل معاني الضوء و اللون و الحلاوة في شعر... آه لو أقدر فقط! يقتضي ذلك عدة تقلـّبات، ثم تيأسُ ساخطةً و تقسمُ بهجران النظم إلى الأبد.

تظلُّ ناقمةً لثوان، و لا تلبث أن تتشاغل بترديد أنشودةٍ سمعتها هذا النهار، فتكتشف أنها نسيتْ كامل كلماتها. تستغرب بعض الشئ، و تقرر أن ترجع إلى كتب تقوية الذاكرة التي لا بد أنها لا تزال على أحد الرفوف في مكان ما، و لا بأس أن تعود للأنشودة لتتذكر كلماتها جيدا للمرة القادمة.

تسحب الغطاء الذي انحسر عنها الآن إلى نحرها مرةً أخرى، و فجأة يطرأ على خاطرها وجه ما، أثيرٌ، في مكان ما، بزمن ٍ ما، مضى و انقضى. تبكيها الذكرى، ثم تضحكها، ثم تبكيها من جديد! تعزم في داخلها: إنها المرّة الأخيرة، لا أريد أن أتذكر مرة أخرى أبداً... فما وراء الذكرى إلا الوَجَع!

يثقل رأسها قليلاً، تظن مستبشرةً أن النعاس قد أزفَّ أخيراً، فتغلق عينيها بهدوء في انتظار أن تغفو، و لكن الدقائق تمر و لا نوم في الأفق. و بينما ينعس جفناها شيئا ً فشيئاً و ينغلقان، تطوف أحداث اليوم أمامها كطيف سريع...

تتذكر حين لاججتْ والدتها، فتتألم و تقسم: غداً سأطيع كل ما تقول.. إنها تبغي صلاحي!
تمر أختها الصغيرة على خاطرها فتتأثر حين تذكرتْ أنها عنـّفتها اليوم لسبب ٍ تافه، تـَعِدُ نفسها: غداً سأقبــّلها و لن أصرخ في وجهها مرة أخرى!
تذكر امتحانها الذي لم تحضّر له كما يجب، تعزم قائلة: غداً سأبذل أفضل جهدي! غداً سأقلع عن أكل الشيكولاتة، لن أقضي أوقاتاً طويلة على الشبكة العنكبوتية، لن أنشر الفوضى في غرفتي.. و.. و..

في الصباح تستيقظ، تنهضُ من السرير دون أن ترتبه، تبدأ يومها بقطعة كبيرة من الشيكولاتة، تتناوش مع أمها، تعنـّف أختها لأنها استخدمت زجاجة عطرها، تصفق الباب لتتجه إلى الجامعة. تتشاغل بنظم أبيات جديدة في محاضرة البرمجة، تعود إلى المنزل بعد الدوام لتقضي سحابة يومها على الشبكة العنكبوتية. في المساء تتأخر في النوم لأنها تركت التحضير للإمتحان حتى آخر لحظة.

حين تضع رأسها على الوسادة في الليل، تتقلب لمرات كثيرة جداً، تستمتع بالوسادة الباردة ثم تغوص في التفكير...غداً.. غداً لن أغضب أمي، و سأصالح أختى الصغيرة... تباً، لماذا لا أجيد نظم الشعر؟ ربّاه، إنها المرة الأخيرة... الأخيرة!

0 comments: