سراب
.
جالسة على السور الحجري المنخفض، وحولي أمواجٌ متلاطمة ٌ من البشر، فتيات وفتيان معظمهم من الشباب، رائحون غادون، ومقابلي شارعٌ فرعي إلا أنه مزدحم بالمركبات من كل شكل ولون. الحافلات لا تفتأ أن تتوقف، ولا تفتأ أن تحمل كثيراً من الناس وتنزل آخرين. مكتبة الجامعة الكبرى على يساري، لا ينفك الطلبة يؤمونها، ويركبون الدرجات الحجرية الواسعة المفضية إليها جماعات ووحدانا، والمحلات على الضفة المقابلة من الشارع غاصّة بروادها ممن أسرعوا لقضاء شؤونهم قبل المغيب، حيث يغلق كل محل وتخلو جميع الشوارع.
.
وأنا وحدي هنا، لا أنظر إلى أي وجه خشية أن ينفتق ما تبقى من جرحي ملتئماً. وحدي جالسةٌ أنتظرك وأنا أعرف أنك لن تأتي، فلا أرضي تقلك ولا سمائي تظلك. لكنني أذهب كل يوم، كل يوم في نفس الساعة وكأني على موعدٍ ألغي كل المواعيد من أجله. لا وجه يشبهك أبداً، فلماذا أتعب نفسي بالنظر إلى الوجوه؟
.
كل يوم أذهب، كل يوم أجلس عند رمس ذكرياتنا ولا أتعب من التذكر، كما لا أتعب من الانتظار. كل شئ حولي يذكرني بك، وكل شئ حولي يشقيني ويفجر آلامي إذ أتذكرك. كيف أنساك، فرائحة وجودك لم تزل تدغدغ أنفي، ورنة صوتك لم تفتأ تناديني حين تستفحل بي الوحدة وتستأثر بي الأحزان.
.
منذ ذلك اليوم، وأنا أجدني قد لزمت السور الحجري المنخفض لا أبرحه كلما طرأ على بالي خاطرك، تملأ الدموع عيني فأرى طيفك منعكساً عليها، شفافاً رقراقاً يكاد أن يتسلل بينها ومعها فأعجز عن إمساكه وإمساكها.
.
وحين تشرق شمس كل صباح أشرق معها بغصتي، حتى الشمس تذكرني بك، أحببتها يوم ذاك حين كانت مزدهية متلألأة، والآن لا أراها سوى مكفهرة، مطرقة ومشيحة. أنت جرحي الذي يستيقظ معي كل يوم، فأشقى به وأشقى معه. كنت صباح الأفراح في ماضي الأيام، فصرت اليوم صباح آلامي .
.
جالسةٌ على السور الحجري المنخفض، وقد فقدت الإحساس بالمكان والزمان، فقدت الإحساس حتى بي، ولم أعد أحس إلا بك قربي. لثوان ٍ بدا الحلم رائعا ً منعشاً أقرب للحقيقة منه إلى الخيال. رفرف خافقي بين جنبيّ، وتراقصت ابتسامتي ورنوت إليك بناظري، ولكن لم يكن إلا السراب وأذيال طيف ٍ أثير ٍ تنسلُّ إلى بعيد.
0 comments:
Post a Comment