شكراً لكم
.
يا مَن بـِفضلكمُ غـُمِرنا،
و انتعشنا بالندى،
يا مَن عرفنا الجودَ فيكم خِلّةً،
منها الفؤادُ تزوّدا،
أحييتمُ آمالنا،
من بعدِ أن ماتت شهورا،
و دفتنتمُ آلامنا،
و نشرتمُ الخيرَ الكثيرا،
شكراً لكم
يا من ندين لفضلكم،
شكراً لكم،
مدوّنة تجمع الكتابات الشعرية والنثرية والمقالات الصحفية لمريم المهدي
شكراً لكم
.
يا مَن بـِفضلكمُ غـُمِرنا،
و انتعشنا بالندى،
يا مَن عرفنا الجودَ فيكم خِلّةً،
منها الفؤادُ تزوّدا،
أحييتمُ آمالنا،
من بعدِ أن ماتت شهورا،
و دفتنتمُ آلامنا،
و نشرتمُ الخيرَ الكثيرا،
شكراً لكم
يا من ندين لفضلكم،
شكراً لكم،
كم جهلناه
.
ها أنذا منطرحة على فراشي البائس البارد، في غرفةٍ داكنة ملفوفة بالصمت، لا أسمع فيها إلا صوت أنفاسي المتقطـّعة التي بدأت تخبو شيئاً فشيئاً.
.
جسدي مسجّى، لا حراك منه يصدر سوى ارتعاشاتٍ تعتريه من أعلى الرأس ِ إلى أخمص ِ القدمين، بين الحين و الحين.
.
و أجفاني مطبقة، ثقيلة، متقرحة من أثر الدموع التي لم تجد من يمسحها. و حين أعصي آلامي لأفتح عينيّ لا أقابـِل سوى الظلام، الظلام المديد، و الشبح الأسود الذي يتأهب للفتك بي.
.
أشعرُ بجفاف حلقي و تشقـّق شفتيّ، و لكن يديّ ترفضان الطاعة، و ترفضان أن تناولاني كأس الماء لتروياني و تطفآ ناري.
.
إني أحس بشئ ما، كانَ يحويه جسدي، وقد بدأ ينسلُّ بهدوءٍ و سرعةٍ مع زفراتي و تنهّداتي، و مع دموع الألم الصامتة التي تبلـّل وجنتيّ، و تمتزج مع حبيبات العرق البارد الذي تفرزه مساماتي بغزارة.
.
كم أحسُّ بالتبعثر!، ففي لحظاتٍ ما، يخلو عقلي المشتّت من أي فكرةٍ كانت، غارقاً في لجج السكون المريع، و في لحظاتٍ تليها أراه يكادُ يتمزق لكثر ة الخواطر التي تتنازعه، و الرؤى التي تنهشه من كل صوب.
.
إنني معلقة ٌ بين طريقين، بين مصيرين، و إنني لأدركُ هذا تماماً، أدركُ هذا باستسلامٍ كاملٍ فرضتْه عليَّ طولُ المعاناةِ و مرارتِها.
.
و لكنّ الانتظار يأبى إلا أن يمتدّ، و ذلك الشبح الرابض يستلذُّ تعذيبي في كلِّ دقيقة، بالخوف الذي يزرعه في عروقي و يشعله في دمي.
.
إنني لا أخشاه، فقد اعتدتُ جثومه قربي، إنّما خوفي من المجهول الذي ينتظرني عند آخر الطريق.
.
المجهول الذي لم يسبرْ أحدٌ أغوارَه يوماً، و لن يستطيع ذلك أحدٌ أبداً.
.
لا أحدَ يعلمُ معنى أن يلفظ الإنسان أنفاسه الأخيرة، سوى الذي يعيشُ هذه اللحظات، لحظات الوحشة و الوداع.
.
إنها حتماً لحظاتُ وداع ٍ أخيرة، و لكن .... و لكن من لي لأودّعه؟
.
إنّ الزهرة التي كانت يانعة ً يوماً ما و تخاطفتـْها الأقدار، تودّعُ عند احتضارها أخواتها الزهرات، و الروض الذي ضمّها و السماء التي ظللتها.
.
و لكن أنا من أودّع ؟؟
.
أأودع فراشي اليابس الذي تكرّم و ضمني في آخر ساعاتي؟، أم أودع جدران غرفتي الخرساء التي أحاطت بي كحيطان سجن بغيض.
.
من أودّع يا ترى؟، و أنا التي لم أعرف في طول هذه الحياة و عرضها أحداً سواي، و سوى بضعة كتب متناثرة هجرتني حينما صرتُ لا أقوى على فتح أجفاني؟
.
و ما حاجتي إلى أن أودّع أحداً أصلاً؟، ألست أنا التي نأيتُ بنفسي عن الناس و أذاهم و منغـّصاتهم؟، ألست أنا التي استعجلتُ الخلاص من الدنيا و أدرانها، معتقدة أنني سأحلّقُ بعد ذلك إلى حيث لا يلحقُ بقلبي شجن؟
.
ها أنا الآن ممددة على فراشي، و لم تبق لي من هذه الدنيا سوى ثوانٍ معدودات، و قد بدأتُ أتهيّبُ الإنطلاق في رحلتي.
.
ها هو الشبح يدور حولي و يتراقص رقصاتٍ شيطانية، و أنا أحاولُ أن أستقبله باسمةً و لكن عضلات وجهي لا تساعفني . أحاولُ عبثا أن أنطق بكلمة ٍ له، أيّ كلمة و لكنني أعجز عن ذلك، فتطفر دموعي يأساً، و أسلّم نفسي لمشيئته.
.
ها هو الشبح الأسود، واقفٌ بقربي، منحنٍ عليَّ مثلَ جرّاح ماهر يؤدي عملية ما، لكن الجرّاح يسعى لإنقاذ الأرواح، و الموت يسرقها.
.
ها هو يمدّ أصابعه الباردة نحو قلبي ليوقفَ خفقانه، يضغطُ عليه ضغطاتٍ محددة - و هو الخبير بما يفعلُ- فينجح في ذلك.
.
عَجَبي، إنني لا زلتُ أحسُّ بما حولي رغم أن جسدي تراخى و ارتمى في حضن سريري بلا حولٍ و لا قوّة.
.
و لا زال الشبح مستمرّاً في عمله يسحبُ روحي، أو ما تبقى منها، ليضمها داخل رداءه الفضفاض العجيب.
.
ربّاه، كم هو شعورٌ مختلف، كم أحس بالخفـّة و التحرّر رغم أنني محصورةٌ في رداءه مع أرواح أخرى ماتت منذ زمن قريب.
.
لقد بدأتُ أحسُّ طعماً آخر للموت، طعماً ألذّ من الحياة و ما فيها، و صار الشبح يبدو لي مذ دخلتُ في رداءه ملاكاً أبيض مشعـّاً بابتسامةٍ حنون.
.
كم جهلناه كلنا طوال هذه السنين، هذا الذي كنا نخافه أكثر من أي شي آخر، صَدَف أن يكون منقذي و منقذ الكثيرين من قبلي، و بابهم نحو الخلود و السعادة الحقيقية.
طال ارتحالي
.
(1)
طالَ ارتحالي، إنّما
هي غربتي
أطولْ
و أنا لوحدي، هائم ُ
وسط الدجى
أرحلْ
البعد ُ يشقيني
و أجنحة ُ الهوى
في الروحِ تنكسر ُ
و على الطريق الداكن المقفرِّ
رائحة ٌ من الأشجان تنتشر ُ
خصلاتُ شعري
من رياح البيد تنتثر ُ
و هناك عند البعد ِ تأخذني
مسافاتي
حيث الأنين الخافتُ المبكي
و آهاتي
و هناك عند البعد كان الضوء
ينتظرُ
فإذا بعاصفة ٍ من الآلامِ
تُبكيني
و إذا دموع العين
تعميني
و إذا برأسي في الدجا
يثقل
طال ارتحالي إنّما
هي غربتي
أطول
فلأسترح في الليل ِ
عند الصبح ِ
فلأرحلْ
(2)
طيفُ الضِيا.. البرّاق ِ
عند الباب ِ
يلقاني
فـَر ِحاً.. أثيرا ً.. ساحـِراً
يومـِي
بِتحنان ِ
و أنا ...
على باب ِ المدينة ِ
أسمع ُ
جرس َ المهمّات ِ
الغريبة ِ
يقرع ُ
فيما أرى..
طيفا ً
جميلا ً
يلمعُ
فعلى جبين ِ البدر ِ
أ َلــْقى
كل َّ أجوبتي
و على ممرِّ الدار ِ
أ ُلقـِي
حمـْلَ أمتِعتي
و بداخل ِ القلب ِ
الكسير ِ
ترنّـُم ُ
" هذي، أهذي جنّة ٌ؟
فيها الثواب ُ الأعظمُ
أم قد
تكون ُ
جهنّمُ؟ "
ليزا
صغيرتي ليزا،
عيناك ِ نجمتان...
عيناكِ جنّتان...
وشعركِ، غابة سنديان...
ليزا، ورنّة صوتكِ...
في مثلِ دفءِ الكستناء..
وكوبِ كاكو ِ ساخنٍ...
في بردِ أيام الشتاء..
ليزا، وثغرك ِ أقحوان..
الأقمار السبعة
....
و سمائي كانتْ مزهرةً
تزهو بالأقمارِ السبعة
تتألـّقُ بسماتي طرباً
إذ أذكرُ أوقاتَ "الجَمْعة"
إنْ أذكرُ أجملَ ضَحَكـَاتٍ
طـَفـَرتْ من عينيَّ الدمعة
لحظاتٍ تدفئ ذاكرتي
تكسو أيامي بالروعة
لمّا الأقمارُ مضتْ عنّي
تركتني أعتصرُ اللوعة
في ليلي، وحدي تركتني
مع ضوءٍ يحتضرُ لشمعة
....
أقماري تبزغُ من "ليدز"
فتضئ الأفراحُ " سمارة"
لا أشعرُ بالغربةِ أبداً
فبكلِّ طريق ٍ لي جارة
لسنا غرباءَ بمبنانا
في الألفةِ هوَ مثـلُ الحارة
و الأنسُ يضئ لياليه
و يلوّنُ بالحبِّ نهارَه
إن أذكرُ هذا، يبكيني
إحساسٌ في القلبِ، حرارة
و بصدري يتأججُ شوقٌ
و بحلقي تعتملُ مرارة
....
يعجزُ في أقماري الوصفُ
فلكلٍ منها إشعاعٌ، و لكلٍ لونٌ مختلفُ
فـَبها ينسى الكونُ وجومَهْ
وبها قبةُ ليلي تصفو
....
بالرقةِ تحلو "إيمانْ"
بالبسمةِ و بالإطمئنان
إن تضحكْ تزهُ الألوان
يتحوّلُ خوفي لأمان
....
ما أزهى البيت إذا "دينا"
صارت تنشرُ فرحاً فينا
من بسمتها يبسمُ قلبي
تـُكسى بالدفءِ ليالينا
....
لا زهرة أحلى من" زهرة"
تنشرُ في مبنانا عطره
إن توجدْ يزدانُ مكاني
و إذا غابتْ عنهُ يُكرَه
....
و "ضحى" قصةُ ود ّ أجملْ
بلقاها أفراحي تكمل
أعرف عنها رقة قلبٍ
و حنانٍ من صنفٍ أوّل
....
أما "عائشةٌ" فغلاها
لا يحصى أبداُ، و بلاها
تكسى بالصمتِ مجالسنا
لا تزكي الفرحة إلّاها
....
و كذا "فاطمة" إن بانت
نفرحُ، فكثيراً ما بانت
بسمةُ ثغرها تزرع فينا
بذرة آمال ٍ ما هانتْ
....
أمّا من تشبهني اسما
"مريمُ" لا تسلوني عمّا
تعني لي، فغلاها ضخمٌ
و محالٌ أن يحصر كمّا
....
عاشت أقماري الدريّة
دامت أيّامنا ورديّة
دامَ الحبُّ بنا، يحيينا
و الذكرى هيَ أغلى هديّة
عندما أتأمّل ابنتي الصغيرة ذات السنوات الثلاث، وهي تنمو أمام ناظري مفعمةً بالصحة والسعادة، تملأني بهجة غامرة، كأي أم، غاية آمالها أن يكبر أبناؤها ويشتد عودهم أصحاء و مقبلين على الحياة، شغوفين باكتشاف مسالكهما، ومعرفة خباياها واجتياز امتحاناتها العديدة.
.
وبين حين وآخر، وعندما أكون وصغيرتي معاً. هي تلهو في عالمها الطفولي الساحر، بينما أغرق أنا في عالم مختلف . أتأمل قسمات وجهها المستدير النضر وأرى فيه دنيا بديعة وغامضة، استشرف فيها المستقبل وأرسم خططا كثيرة، بعضها واقعية وأكثرها مفرطة الخيال. في لحظات كهذه وحين يتناهى إلى مسامعي صوتها وتردد ضحكاتها الرنانة، أشعر فجأة بقشعريرة تجتاح بدني، وألم يعتصر صدري، وحين أحاول الغوص في أعماق نفسي واستجلاء السبب الحقيقي لهذا الشعور، تصيبني الحيرة والخيبة في كل مرة ولا أجد جوابا شافياً.
.
وفي ليلة ما، من ليالي الشتاء الصامتة الثقيلة، استيقظت من نومي مذعورة إثر حلم حلمت به وكان الضيق يملأ نفسي وجوارحي. التفت إلى صغيرتي النائمة إلى جواري، وأطلت النظر في ملامحها الصغيرة البريئة، على ضوء القمر المتسلل من النافذة، وأصخت إلى صوت تنفسها الذي أعده أعذب ألحان الوجود. عندها انتابتني القشعريرة مرة أخرى، وتذكرت حلمي الذي إن وصفته لن يبدو مزعجا بقدر ما أزعجني بالفعل. فقد رأيت فيما يرى النائم، نفسي، قبل عشرين سنة حين كنت أخطو خطواتي الأولى في المدرسة، والحياة. كنت هناك في صفي الصغير وحولي وجوه صغيرة كنت أعرفها منذ سنين، وكانت معلمتنا تتحدث، وكأني بصوتها لا يزال يرن في أعماقي. كان الحلم واقعيا جداً وحقيقيا ً، بل كان أشبه بنبش ذكريات دفينة، وتصفح أوارق كثيرة طويتها جميعاً، وأودعتها صندوق ذكرياتي، إهمالا ربما، أو هروباً.
.
الآن، والآن فقط فهمت لماذا كان ذلك الإحساس بالتوجس والارتعاش يغمرني حين أرى ابنتي، ذلك أنني حين أراها أرى نفسي فيها، وأحسب أن الدنيا قد رجعت بي إلى الوراء، لأخوض غمارها ثانية.
.
إنني حين أرى صغيرتي، أرى التاريخ يعيد نفسه بدقة متناهية، ما كنت لأظنها ممكنة يوماً ما . هذا الخوف الذي بداخلي هو خوف من الماضي والحاضر والمستقبل، وهو الذي سبب لي القشعريرة والارتجاف. إنني كنت ولا زلت أخشى أن تقع صغيرتي في أي خطأ وقعت أنا فيه من قبل، مهما صغر. إنني أخاف أن تزل قدمها من ذاك الحجر أو ذاك، فأظل أحاصر الأحجار بعيني، وما أكثر الأحجار!
.
في تلك الليلة الباردة، والقمر يعكس ظلالاً مهيبة على جدار غرفتي، أحسست أن ظلالاً وحجباً كثيرة زالت من بصيرتي، ومن نفسي. لقد علمت، وتقبلت أن أمام أبنتي، حتماً الكثير لنتعلمه. أمامها المستقبل الذي يحمل معه مختلف الخبرات والتجارب والمواقف التي لا بد أن تواجهها مهما بدت صعبة، والتي لن تنساها أبداً.
.
لن تنسى هذه الصغيرة بعد عشرين سنة من اليوم، لن ننسى أول مرة كتبت فيها أسمها وأول مرة دخلت فيها المدرسة. لن تنسى أبداً أول صديقاتها، ولن تنسى – قطعا – أول شجار لها. أشياء كثيرة، مهما بدت بسيطة لن تنساها كما لم أنس.
.
إنني ورغم السعادة التي عشتها في طفولتي، لا أزال أذكرها ببعض الخيفة والتوجس، وكأنني إذا استرجعتها في مخيلتي سيرجع الزمن إلى الخلف رغماً عني، إلى هناك حيث هزتني بعض الشخصيات والأماكن في بشدة، وحفرت آثارها في قلبي وذاكرتي.
.
عندها أحسست برغبة عارمة في أن أضم طفلتي إلى صدري بقوة، وأن أحميها بكل ما أملك من عزم. إنني لن أعود للماضي أبداً، وهذا شيء أدركه تماما، لكنني سوف أعيد المسيرة، منذ البداية مع طفلتي، وسأكون حاضرة بإذن الله في كل خطوة تخطوها وسأدعمها بخبرتي، لتعتبر وتتعلم.
.
.
سأعلمها أن الأخطاء إنما وجدت لنتعلم منها، لا أن نخافها. وإن كنت سأخافها دائماً.
.
سأعلمها أن عليها أن تجمل الحاضر بقدر الإمكان، لكي لا تخاف أن تتذكره في المستقبل.
.
سيكون قلبي دائماً معها، ذلك الذي أهديته إياها، مذ فتحت عينيها على الحياة ورأت النور لأول مرة .
الفقر في الغربة .....؟
...
طالما سمعنا المقولة الشائعة بأن الفقر في الوطن غربة و الغنى في الغربة وطن، و لكن هل فكر أحدنا بعكس المعادلة لنتساءل... و ما الفقر في الغربة؟؟؟ فإذا كان الفقر في وطنك و بين أحبابك غربةً، فماذا يا ترى سيكون حين تصبح مغترباً وحيداً في بلدة مليئة بأجانب، لا يجمعك بهم دين و لا لغة و لا مبادئ!
....
كنت راجعاً إلى شقتي في تلك المدينة البريطانية الكبيرة التي أدرس بها، و قد آثرت العودة ماشياً رغم طول المسافة توفيراً للباوندات التي سيأخذها مني سائق الحافلة، و ذلك بعد أن إطلعت على حسابي البنكي مصعوقاً من ضآلته. كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها مبلغاً بهذه الضآلة في حسابي، و لذلك فقد شعرت برغبة بالبكاء حين رأيت المتسول على قارعة الطريق متكوراً على نفسه مقشعراً من شدة البرد، و لأول مرة استطعت أن أشعر بعظم معاناته، و فكرت في نفسي بطريقة دراماتيكية.. أنا وحدي في هذه الدنيا، لا أهل و لا مال.. يبدو أنني سألجأ إلى مسح الأحذية حتى أسدّ رمقي.
....
بدأ عقلي ينشط حسابياً.. 600 باوند في الشهر؟؟ بدا لي هذا المبلغ قليلاً لدرجة سخيفة جداً، و تذكرت أخواننا طلبة البعثات من الكويت و قطر و باقي دول الخليج الذي يبلغ مخصصهم ضعف مخصصنا المالي الشهري، و غبطتـُهم لأن رحلة تفوقهم لم تنته بهم إلى التضور جوعاً في بلاد أجنبية.
....
600 باوند؟ حاولت أن أكون منطقياً، أين تطير كل شهر؟؟ أكثر من نصفها يذهب إلى إيجار السكن، يبقى الصافي أقل من 300 باونداً، تتوزع على الكهرباء و الغاز و الاتصالات و الانترنت و المواصلات، ناهيك عن الطعام و الشراب و مستلزمات الجامعة و الاحتياجات الحياتية. تنهدتُ بألم و أنا أتذكر تذاكر عودة الوطن في عطلة الكريسماس، و عطلة الايستر لدى البعض، و نكست رأسي بصمت.
....
تذكرت كلمات والدي التي كان يفترض بها أن تخفف علي، و لكنها زادتني ألماً و هو يقول لي: يا ولدي، إذا احتجت أي شئ، لا تتردد في طلبه فلن أقصر عليك!
أحسست بالحنق... لقد تفوقت و كدحت في المدرسة كي أصل إلى هنا، و أرفع العبء عن كاهل والدي، و ها أنا الآن لا أستطيع أن أتخيل نفسي و أنا أطلب منه المال، لأن وزارتنا العزيزة ببساطة لا تعطينا القدر الكافي منه!
....
ركلتُ علبة معدنية كانت أمامي بسخط و أنا أتمعن في هذه الصفقة الفاشلة التي خضتها و التي تسمى ببعثة الوزارة، كان ما قدمته من جانبي هو كدح ثلاث سنوات و معدل مرتفع "يرفع الرأس"، و كان ما قدموه من جانبهم: بعثة... لم أختر تخصصي فيها، و لم أختر المدينة التي سأدرس بها، و لم أختر الجامعة( التي ترتيبها حالياً في ذيل قائمة جامعات المملكة المتحدة)، و مخصصنا ضئيل نعيش فيه تحت خط الفقر، و الأدهى و الأمر من ذلك أننا سنخدم في الوزارة و ذلك إيفاءً لفضلها و نعمها السابغة علينا لثماني سنوات كاملة! أي مستقبل هذا و أية بعثة!!؟؟؟
....
ضحكتُ بمرارة و أنا أبحث عن تكملة لجملتي... الفقر في الغربة؟ الفقر في الغربة؟ أهااا نعم، الفقر في الغربة... بعثة!