Saturday, 17 April 2010

ظلال الذكريات

ظلال الذكريات
.

عندما أتأمّل ابنتي الصغيرة ذات السنوات الثلاث، وهي تنمو أمام ناظري مفعمةً بالصحة والسعادة، تملأني بهجة غامرة، كأي أم، غاية آمالها أن يكبر أبناؤها ويشتد عودهم أصحاء و مقبلين على الحياة، شغوفين باكتشاف مسالكهما، ومعرفة خباياها واجتياز امتحاناتها العديدة.

.

وبين حين وآخر، وعندما أكون وصغيرتي معاً. هي تلهو في عالمها الطفولي الساحر، بينما أغرق أنا في عالم مختلف . أتأمل قسمات وجهها المستدير النضر وأرى فيه دنيا بديعة وغامضة، استشرف فيها المستقبل وأرسم خططا كثيرة، بعضها واقعية وأكثرها مفرطة الخيال. في لحظات كهذه وحين يتناهى إلى مسامعي صوتها وتردد ضحكاتها الرنانة، أشعر فجأة بقشعريرة تجتاح بدني، وألم يعتصر صدري، وحين أحاول الغوص في أعماق نفسي واستجلاء السبب الحقيقي لهذا الشعور، تصيبني الحيرة والخيبة في كل مرة ولا أجد جوابا شافياً.

.

وفي ليلة ما، من ليالي الشتاء الصامتة الثقيلة، استيقظت من نومي مذعورة إثر حلم حلمت به وكان الضيق يملأ نفسي وجوارحي. التفت إلى صغيرتي النائمة إلى جواري، وأطلت النظر في ملامحها الصغيرة البريئة، على ضوء القمر المتسلل من النافذة، وأصخت إلى صوت تنفسها الذي أعده أعذب ألحان الوجود. عندها انتابتني القشعريرة مرة أخرى، وتذكرت حلمي الذي إن وصفته لن يبدو مزعجا بقدر ما أزعجني بالفعل. فقد رأيت فيما يرى النائم، نفسي، قبل عشرين سنة حين كنت أخطو خطواتي الأولى في المدرسة، والحياة. كنت هناك في صفي الصغير وحولي وجوه صغيرة كنت أعرفها منذ سنين، وكانت معلمتنا تتحدث، وكأني بصوتها لا يزال يرن في أعماقي. كان الحلم واقعيا جداً وحقيقيا ً، بل كان أشبه بنبش ذكريات دفينة، وتصفح أوارق كثيرة طويتها جميعاً، وأودعتها صندوق ذكرياتي، إهمالا ربما، أو هروباً.

.

الآن، والآن فقط فهمت لماذا كان ذلك الإحساس بالتوجس والارتعاش يغمرني حين أرى ابنتي، ذلك أنني حين أراها أرى نفسي فيها، وأحسب أن الدنيا قد رجعت بي إلى الوراء، لأخوض غمارها ثانية.الآن عرفت سبب ذلك الشعور الغامض بالخوف من المجهول، وذلك الصوت الخفي الذي لم أكن لأتبينه لولا هذا الحلم. كنت أظن، وبدون أن أعي أنني عدت طفلة مرة ثانية، وبدأت أواجه كل حادثة من جديد، المبهج منها والمؤلم، المفرح والمحزن، المطمئـِن والمخيف، كل شيء من جديد.

.

إنني حين أرى صغيرتي، أرى التاريخ يعيد نفسه بدقة متناهية، ما كنت لأظنها ممكنة يوماً ما . هذا الخوف الذي بداخلي هو خوف من الماضي والحاضر والمستقبل، وهو الذي سبب لي القشعريرة والارتجاف. إنني كنت ولا زلت أخشى أن تقع صغيرتي في أي خطأ وقعت أنا فيه من قبل، مهما صغر. إنني أخاف أن تزل قدمها من ذاك الحجر أو ذاك، فأظل أحاصر الأحجار بعيني، وما أكثر الأحجار!

.

في تلك الليلة الباردة، والقمر يعكس ظلالاً مهيبة على جدار غرفتي، أحسست أن ظلالاً وحجباً كثيرة زالت من بصيرتي، ومن نفسي. لقد علمت، وتقبلت أن أمام أبنتي، حتماً الكثير لنتعلمه. أمامها المستقبل الذي يحمل معه مختلف الخبرات والتجارب والمواقف التي لا بد أن تواجهها مهما بدت صعبة، والتي لن تنساها أبداً.

.

لن تنسى هذه الصغيرة بعد عشرين سنة من اليوم، لن ننسى أول مرة كتبت فيها أسمها وأول مرة دخلت فيها المدرسة. لن تنسى أبداً أول صديقاتها، ولن تنسى – قطعا – أول شجار لها. أشياء كثيرة، مهما بدت بسيطة لن تنساها كما لم أنس.

.

إنني ورغم السعادة التي عشتها في طفولتي، لا أزال أذكرها ببعض الخيفة والتوجس، وكأنني إذا استرجعتها في مخيلتي سيرجع الزمن إلى الخلف رغماً عني، إلى هناك حيث هزتني بعض الشخصيات والأماكن في بشدة، وحفرت آثارها في قلبي وذاكرتي.

.

عندها أحسست برغبة عارمة في أن أضم طفلتي إلى صدري بقوة، وأن أحميها بكل ما أملك من عزم. إنني لن أعود للماضي أبداً، وهذا شيء أدركه تماما، لكنني سوف أعيد المسيرة، منذ البداية مع طفلتي، وسأكون حاضرة بإذن الله في كل خطوة تخطوها وسأدعمها بخبرتي، لتعتبر وتتعلم.

.

.

سأعلمها أن الأخطاء إنما وجدت لنتعلم منها، لا أن نخافها. وإن كنت سأخافها دائماً.

.

سأعلمها أن عليها أن تجمل الحاضر بقدر الإمكان، لكي لا تخاف أن تتذكره في المستقبل.

.

سيكون قلبي دائماً معها، ذلك الذي أهديته إياها، مذ فتحت عينيها على الحياة ورأت النور لأول مرة .

0 comments: