Sunday, 11 April 2010

من مقالاتي في نشرة الطالب البحريني...الفقر في الغربة .....؟

الفقر في الغربة .....؟

...

طالما سمعنا المقولة الشائعة بأن الفقر في الوطن غربة و الغنى في الغربة وطن، و لكن هل فكر أحدنا بعكس المعادلة لنتساءل... و ما الفقر في الغربة؟؟؟ فإذا كان الفقر في وطنك و بين أحبابك غربةً، فماذا يا ترى سيكون حين تصبح مغترباً وحيداً في بلدة مليئة بأجانب، لا يجمعك بهم دين و لا لغة و لا مبادئ!

....

كنت راجعاً إلى شقتي في تلك المدينة البريطانية الكبيرة التي أدرس بها، و قد آثرت العودة ماشياً رغم طول المسافة توفيراً للباوندات التي سيأخذها مني سائق الحافلة، و ذلك بعد أن إطلعت على حسابي البنكي مصعوقاً من ضآلته. كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها مبلغاً بهذه الضآلة في حسابي، و لذلك فقد شعرت برغبة بالبكاء حين رأيت المتسول على قارعة الطريق متكوراً على نفسه مقشعراً من شدة البرد، و لأول مرة استطعت أن أشعر بعظم معاناته، و فكرت في نفسي بطريقة دراماتيكية.. أنا وحدي في هذه الدنيا، لا أهل و لا مال.. يبدو أنني سألجأ إلى مسح الأحذية حتى أسدّ رمقي.

....

بدأ عقلي ينشط حسابياً.. 600 باوند في الشهر؟؟ بدا لي هذا المبلغ قليلاً لدرجة سخيفة جداً، و تذكرت أخواننا طلبة البعثات من الكويت و قطر و باقي دول الخليج الذي يبلغ مخصصهم ضعف مخصصنا المالي الشهري، و غبطتـُهم لأن رحلة تفوقهم لم تنته بهم إلى التضور جوعاً في بلاد أجنبية.

....

600 باوند؟ حاولت أن أكون منطقياً، أين تطير كل شهر؟؟ أكثر من نصفها يذهب إلى إيجار السكن، يبقى الصافي أقل من 300 باونداً، تتوزع على الكهرباء و الغاز و الاتصالات و الانترنت و المواصلات، ناهيك عن الطعام و الشراب و مستلزمات الجامعة و الاحتياجات الحياتية. تنهدتُ بألم و أنا أتذكر تذاكر عودة الوطن في عطلة الكريسماس، و عطلة الايستر لدى البعض، و نكست رأسي بصمت.

....

تذكرت كلمات والدي التي كان يفترض بها أن تخفف علي، و لكنها زادتني ألماً و هو يقول لي: يا ولدي، إذا احتجت أي شئ، لا تتردد في طلبه فلن أقصر عليك!

أحسست بالحنق... لقد تفوقت و كدحت في المدرسة كي أصل إلى هنا، و أرفع العبء عن كاهل والدي، و ها أنا الآن لا أستطيع أن أتخيل نفسي و أنا أطلب منه المال، لأن وزارتنا العزيزة ببساطة لا تعطينا القدر الكافي منه!

....

ركلتُ علبة معدنية كانت أمامي بسخط و أنا أتمعن في هذه الصفقة الفاشلة التي خضتها و التي تسمى ببعثة الوزارة، كان ما قدمته من جانبي هو كدح ثلاث سنوات و معدل مرتفع "يرفع الرأس"، و كان ما قدموه من جانبهم: بعثة... لم أختر تخصصي فيها، و لم أختر المدينة التي سأدرس بها، و لم أختر الجامعة( التي ترتيبها حالياً في ذيل قائمة جامعات المملكة المتحدة)، و مخصصنا ضئيل نعيش فيه تحت خط الفقر، و الأدهى و الأمر من ذلك أننا سنخدم في الوزارة و ذلك إيفاءً لفضلها و نعمها السابغة علينا لثماني سنوات كاملة! أي مستقبل هذا و أية بعثة!!؟؟؟

....

ضحكتُ بمرارة و أنا أبحث عن تكملة لجملتي... الفقر في الغربة؟ الفقر في الغربة؟ أهااا نعم، الفقر في الغربة... بعثة!

0 comments: