Monday, 26 April 2010

كم جهلناه

كم جهلناه

.

ها أنذا منطرحة على فراشي البائس البارد، في غرفةٍ داكنة ملفوفة بالصمت، لا أسمع فيها إلا صوت أنفاسي المتقطـّعة التي بدأت تخبو شيئاً فشيئاً.

.

جسدي مسجّى، لا حراك منه يصدر سوى ارتعاشاتٍ تعتريه من أعلى الرأس ِ إلى أخمص ِ القدمين، بين الحين و الحين.

.

و أجفاني مطبقة، ثقيلة، متقرحة من أثر الدموع التي لم تجد من يمسحها. و حين أعصي آلامي لأفتح عينيّ لا أقابـِل سوى الظلام، الظلام المديد، و الشبح الأسود الذي يتأهب للفتك بي.

.

أشعرُ بجفاف حلقي و تشقـّق شفتيّ، و لكن يديّ ترفضان الطاعة، و ترفضان أن تناولاني كأس الماء لتروياني و تطفآ ناري.

.

إني أحس بشئ ما، كانَ يحويه جسدي، وقد بدأ ينسلُّ بهدوءٍ و سرعةٍ مع زفراتي و تنهّداتي، و مع دموع الألم الصامتة التي تبلـّل وجنتيّ، و تمتزج مع حبيبات العرق البارد الذي تفرزه مساماتي بغزارة.

.

كم أحسُّ بالتبعثر!، ففي لحظاتٍ ما، يخلو عقلي المشتّت من أي فكرةٍ كانت، غارقاً في لجج السكون المريع، و في لحظاتٍ تليها أراه يكادُ يتمزق لكثر ة الخواطر التي تتنازعه، و الرؤى التي تنهشه من كل صوب.

.

إنني معلقة ٌ بين طريقين، بين مصيرين، و إنني لأدركُ هذا تماماً، أدركُ هذا باستسلامٍ كاملٍ فرضتْه عليَّ طولُ المعاناةِ و مرارتِها.

.

و لكنّ الانتظار يأبى إلا أن يمتدّ، و ذلك الشبح الرابض يستلذُّ تعذيبي في كلِّ دقيقة، بالخوف الذي يزرعه في عروقي و يشعله في دمي.

.

إنني لا أخشاه، فقد اعتدتُ جثومه قربي، إنّما خوفي من المجهول الذي ينتظرني عند آخر الطريق.

.

المجهول الذي لم يسبرْ أحدٌ أغوارَه يوماً، و لن يستطيع ذلك أحدٌ أبداً.

.

لا أحدَ يعلمُ معنى أن يلفظ الإنسان أنفاسه الأخيرة، سوى الذي يعيشُ هذه اللحظات، لحظات الوحشة و الوداع.

.

إنها حتماً لحظاتُ وداع ٍ أخيرة، و لكن .... و لكن من لي لأودّعه؟

.

إنّ الزهرة التي كانت يانعة ً يوماً ما و تخاطفتـْها الأقدار، تودّعُ عند احتضارها أخواتها الزهرات، و الروض الذي ضمّها و السماء التي ظللتها.

.

و لكن أنا من أودّع ؟؟

.

أأودع فراشي اليابس الذي تكرّم و ضمني في آخر ساعاتي؟، أم أودع جدران غرفتي الخرساء التي أحاطت بي كحيطان سجن بغيض.

.

من أودّع يا ترى؟، و أنا التي لم أعرف في طول هذه الحياة و عرضها أحداً سواي، و سوى بضعة كتب متناثرة هجرتني حينما صرتُ لا أقوى على فتح أجفاني؟

.

و ما حاجتي إلى أن أودّع أحداً أصلاً؟، ألست أنا التي نأيتُ بنفسي عن الناس و أذاهم و منغـّصاتهم؟، ألست أنا التي استعجلتُ الخلاص من الدنيا و أدرانها، معتقدة أنني سأحلّقُ بعد ذلك إلى حيث لا يلحقُ بقلبي شجن؟

.

ها أنا الآن ممددة على فراشي، و لم تبق لي من هذه الدنيا سوى ثوانٍ معدودات، و قد بدأتُ أتهيّبُ الإنطلاق في رحلتي.

.

ها هو الشبح يدور حولي و يتراقص رقصاتٍ شيطانية، و أنا أحاولُ أن أستقبله باسمةً و لكن عضلات وجهي لا تساعفني . أحاولُ عبثا أن أنطق بكلمة ٍ له، أيّ كلمة و لكنني أعجز عن ذلك، فتطفر دموعي يأساً، و أسلّم نفسي لمشيئته.

.

ها هو الشبح الأسود، واقفٌ بقربي، منحنٍ عليَّ مثلَ جرّاح ماهر يؤدي عملية ما، لكن الجرّاح يسعى لإنقاذ الأرواح، و الموت يسرقها.

.

ها هو يمدّ أصابعه الباردة نحو قلبي ليوقفَ خفقانه، يضغطُ عليه ضغطاتٍ محددة - و هو الخبير بما يفعلُ- فينجح في ذلك.

.

عَجَبي، إنني لا زلتُ أحسُّ بما حولي رغم أن جسدي تراخى و ارتمى في حضن سريري بلا حولٍ و لا قوّة.

.

و لا زال الشبح مستمرّاً في عمله يسحبُ روحي، أو ما تبقى منها، ليضمها داخل رداءه الفضفاض العجيب.

.

ربّاه، كم هو شعورٌ مختلف، كم أحس بالخفـّة و التحرّر رغم أنني محصورةٌ في رداءه مع أرواح أخرى ماتت منذ زمن قريب.

.

لقد بدأتُ أحسُّ طعماً آخر للموت، طعماً ألذّ من الحياة و ما فيها، و صار الشبح يبدو لي مذ دخلتُ في رداءه ملاكاً أبيض مشعـّاً بابتسامةٍ حنون.

.

كم جهلناه كلنا طوال هذه السنين، هذا الذي كنا نخافه أكثر من أي شي آخر، صَدَف أن يكون منقذي و منقذ الكثيرين من قبلي، و بابهم نحو الخلود و السعادة الحقيقية.

0 comments: